منتديات همس المحبه*

عزيزي الزائر / عزيزتي الزائرة يرجي التكرم بتسجبل الدخول اذا كنت عضو معنا
او التسجيل ان لم تكن عضو وترغب في الانضمام الي اسرة المنتدي
سنتشرف بتسجيلك
شكرا
ادارة المنتدي





 
الرئيسيةالتسجيلدخول
اهلا وسهلا بك زائر في منتديات همس المحبه

شاطر | 
 

 قصة إسلام عبده إبراهيم

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
ادراي
ادراي
avatar

https://i.servimg.com/u/f41/11/81/60/19/c13e6510.gif
ذكر
عدد المساهمات : 122
نقاط : 35249
تاريخ التسجيل : 28/06/2009

مُساهمةموضوع: قصة إسلام عبده إبراهيم   الخميس أكتوبر 01, 2009 11:53 am


قصة إسلام عبده إبراهيم


سنتعرف ونعتبر جميعاً بهذه القصة الطيبة من قصص الإيمان، قصة إسلام رجل من أهل الكتاب، والحقيقة أن فيها عبراً عظيمة جداً نحتاج إلى معرفتها لاستحضار نعمة الله سبحانه وتعالى علينا. وهي قصة إسلام الدكتور عبده إبراهيم -والد الدكتور عيسى عبده -.






نبذة مختصرة عن الدكتور عبده إبراهيم
نبدأ أولاً بالتعريف بوالد الدكتور عيسى عبده رحمه الله تعالى. فهو الدكتور: عبده إبراهيم بن إبراهيم أفندي عبد الملك ، من حي الظاهر في القاهرة، ولد عام (1883م). وصل في دراسته إلى المرحلة الثانوية، وكان لهذه المرحلة الثانوية شأن عظيم في حياته، وقد أمضى المرحلة الثانوية من سنة (1896م) إلى سنة (1900م)، أي: أربع سنوات، وليس ثلاث سنوات كما هو المعتاد، ولهذا سبب سنذكره إن شاء الله، ثم درس الطب بالقصر العيني خمسة أعوام -وهذه أيضاً مرحلة مهمة جداً سنذكر تفاصيلها- من سنة (1900م) إلى (1905م)، والتحق بالوظيفة العامة سنة (1905م)، ثم تزوج في صيف (1906م)، ورزق بولده الأول، وهو: فضيلة الدكتور: عيسى عبده رحمه الله تعالى المتوفى في التاسع من يناير سنة (1980م) ودفن بالبقيع في المدينة المنورة، رحمه الله تعالى رحمة واسعة، ثم رزق بابنه الثاني في يناير سنة (1909م)، وهو الدكتور: محمد عبده إبراهيم ، أستاذ الهندسة بجامعات سويسرا، وله أبحاث عالمية في تحلية ماء البحر، ولكل من الابنين قصة عجيبة سنذكرها إن شاء الله. كان أول عهد عبده بالوظيفة العامة في مصلحة السجون كطبيب سجن بين عامي (1905م) و(1910م)، وهذه المرحلة أيضاً لها قصة, وكان آخر عهده بالوظيفة العامة بوزارة الصحة أنه كان طبيب المركز بالسنبللوين في الدقهلية بين عامي (1910م) و(1914م)، ثم عمل طبيباً لمركز طبي في الشرقية من سنة (1914م) إلى (1918م)، ثم انتقل إلى رحمة الله -إن شاء الله- بالقاهرة في شهر يونيو سنة (1918م).




كيف اهتدى الدكتور عبده إبراهيم إلى الإسلام
نبدأ ببداية طريقه والتزامه بالاسلام، وهذه بداية مهمة جداً، وتشير إلى فائدة وبركة معاشرة الكفار للمسلمين، فمن المعلوم والمقطوع به أن الكفار الذين يعاشرون المسلمين يكونون أقل شراً من الكفار الذين لم يعاشروا المسلمين، فبركة مجتمع التوحيد وأهل الإسلام -بلا شك- تتعدى إلى غيرهم بصورة أو بأخرى، خاصةً إذا تحلى المسلمون بحسن الخلق؛ فإنه يُرغِّب كثيراً من الناس في الدخول في الإسلام. وكانت البداية في أواخر القرن التاسع عشر، حيث كان الخواجة إبراهيم أفندي عبد الملك يعيش في منزله بحي الظاهر في القاهرة، ومن حوله أسرة كبيرة العدد من الأقرباء والأصهار.
فقد كان التقليد المتبع في تلك الأيام هو أن تتجمع الأصول والفروع في مساكن متقاربة من بعضها، وقد تأصلت هذه العادة في القطر المصري وفي غيره من البلدان العربية المجاورة. وكان مما يميز هذه الأحياء السكنية هو أن كل طائفة أو أسرة أو جماعة معينة لها خصيصة تجمعها، فمثلاً: كانت الحلمية الجديدة مسكن أمراء المماليك، ثم من قبلهم من الأسر العريقة، كالحسين، والسيدة زينب، وكذلك مساكن علماء الدين الإسلامي، وأما حي الظاهر فكان يسكنه أسر القبط القدماء في مصر، وكان الخواجه إبراهيم عبد الملك يسكن منزلاً متوسطاً برقم اثنين وسبعين في شارع الظاهر، وكان لقب الخواجه حينئذٍ يطلق على وجهاء الأقباط ورجال الأعمال. ومن أولئك إبراهيم أفندي عبد الملك الذي احترف تجارة الجملة والوكالة بالعمولة، وكان قد اتخذ له مقراً تجارياً بحي الجمالية يقضي فيه يومه كله، فهو مشغول دائماً بأعماله الكثيرة لكسب رزقه ورزق أسرته الكبيرة العدد، وهو لا يستقر في داره إلا يوماً واحداً في الأسبوع، وهو يوم الأحد، وفي هذا اليوم من كل أسبوع كان أفراد الأسرة كلهم يجتمعون إلى مائدة الغداء بعد عودتهم من الكنيسة، حتى الذين يقيمون بالقاهرة بعيداً عن حي الظاهر من أفراد الأسرة كانوا حريصين على هذا الاجتماع العائلي الدوري كما يحرصون على أغلى ما يملكون.
وكان الخواجه إبراهيم عبد الملك قد رزق بأربعة أبناء من الذكور، وهم بحسب ترتيب أعمارهم: عبده -وهو أكبرهم -، و نسيم ، و سهيم، و سليم ، كما رزق عدداً آخر من البنات، اللاتي حرص على حسن تربيتهن كحرصه على تعليم أولاده الذكور وإلحاقهم بالمدارس وتوفير ما يلزم لكل منهم، حتى اشتهر بين أقربائه بأنه رب أسرة كادح ناجح. وكان عبده -ابنه الأكبر- مجتهداً ذكياً لم يتخلف في دراسته سنة واحدة، حتى وصل إلى السنة الثالثة الثانوية التي صادفته فيها ظروف بالغة الخطر ترتب عليها أن تخلف للإعادة. فكيف تخلف الطالب الذكي المجتهد عبده إبراهيم عبد الملك في امتحان البكلوريا -وهي الثانوية العامة- وهو الذي كان رمزاً للتفوق ومثالاً يحتذى بين أقرانه؟! ولماذا حدث ما حدث ولم يعهد عليه ضعف أو تراخٍ فضلاً عن الرسوب في الامتحان؟! إن الاجابة على هذين السؤالين تضعنا على أول الطريق إلى صلب الموضوع، ذلك أن بعض نظار المدارس الثانوية في أوخر القرن التاسع عشر الميلادي كانوا يستعملون أسلوب (الخلايا العلمية)، وهو أسلوب تربوي يقوم على أساس التآلف بين الطلاب، وذلك دون تحديد عدد معين، ودون أي محاولة للربط بين خلية وأخرى؛ إذ كان القصد من ذلك هو مجرد تشجيع الطلاب على التجمع في صحبة أو عُصبة أو مجموعة، ليكون نشاطهم العلمي والاجتماعي أجدى وأقوى من الناحية التربوية، وهذا أفضل مما لو ترك الطالب في سن المراهقة وأول النضج فريسة للوحدة في نزهته حبيساً في حجرة استذكاره لدراسته.
وهكذا اجتمع بقدر الله سبحانه وتعالى مجموعة أو خلية واحدة مكونة من ثلاثة أشخاص -وهم: محمد توفيق صدقي ، و أحمد نجيب برادة ، و عبده إبراهيم عبد الملك- تآلف أفرادها، وانسجموا ثلاثتهم، فانتظموا في عقد صداقتهم من أول الدراسة الثانوية، فما إن وصل ثلاثتهم إلى السنة الثالثة في الثانوية حتى باتت أواصر المودة بينهم قوية تشد بعضهم إلى بعض، حتى اشتهروا بين زملائهم بذلك، وعرفوا بما يحملونه لبعضهم من مشاعر الحب والإخلاص والاحترام. وكان محمد توفيق صدقي أيسر حالاً من الجميع، وتقع داره في جنينة المتاخمة لجنينة ناميش بحي السيدة زينب، وكان للدار في المدخل من جهة اليسار منظرة التي تسمى المضيفة أو مجرة الضيافة-، وهي ومرافقها شبه منفصلة عن البيت، أما أحمد نجيب برادة فقد كان رقيق الحال، كفله عمه بعد وفاة أبيه، فلم يكن الصحب يغشون دار عمه هذا بالحلمية إلا نادراً، مع أن الدار كانت فسيحة على الطراز القديم، ولها صحن فيه بئر ودلو، لكنها في النهاية لم تكن دار برادة، ولكنها دار عمه الذي رعاه بديلاً عن أبيه، أما عبده فقد كانت داره -كما قلنا- بالظاهر بعيدة عن السيدة زينب وبعيدة عن الحلمية، خاصةً مع صعوبة المواصلات في ذلك العهد، فضلاً عن وقوع حجرة عبده الخاصة في الطابق الثالث مع الأسرة. هكذا وجد الثلاثة أنفسهم متفقين بغير اتفاق على تفضيل منظرة صدقي للقاء بقصد الاستذكار وما يصحبه من صخب الشباب أحياناً، وقد زاد من تفضيل هذه المنظرة هو قربها من موقع المدارس الثانوية فضلاً عن قربها من المدارس العليا.
لكن الأمر لم يسلم، فبالرغم من ذلك كان الأصحاب الثلاثة يغشون دار العم برادة بالحلمية أحياناً مضطرين لسبب أو لآخر، وكان في صحن الدار -كما سبق- بئر ودلو، فكانوا إذا وجبت الصلاة وهم بدار العم برادة قام صدقي و برادة فتوضأ كل منهما ثم صليا، وكان عبده من دونهما يرقبهما بعض الوقت وهما يصليان، وهذا هو الخيط الأول الذي أشرنا إليه من قبل.
وكما يقال: كل نسيج قماش له بداية، وكل قصة إسلام لابد من أن يكون في بدايتها خير أو بصيص من النور يظهر، ولذلك فإننا نركّز -دائماً- على الخيط الأول الذي يختلف من إنسان إلى آخر، لكن أعم وأغلب الناس يكون الخيط الأول لهدايتهم -كما ذكرنا- هو حسن الخلق معهم، امتثالاً لقوله تعالى: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [البقرة:83]. كان عبده إذا خرج الاثنان إلى الصلاة يرقبهما بعض الوقت وهما يصليان، ويتشاغل عنهما بالنظر في أوراقه ما أتيح له ذلك، وبتكرار هذه المواقف من وقت لآخر خلال السنتين الأولى والثانية من الدراسة الثانوية نشأ في نفس عبده تساؤل عنيف عن سلوك صاحبيه، فقد رآهما كثيراً وهما يسعيان في اهتمام بالغ للتطهر حال سماعهما الأذان -بل ربما قبله استعداداً للصلاة- وهما يقفان في خشوع وخضوع مهيب أمام ربهم، ثم يركعان ويخران إلى الأرض ساجدين في هيئة تدل على تمام عبوديتهما لربهما، ثم إنهما يكرران ذلك بشكل إيماني رائع، حتى إذا جلسا للتشهد وفرغا من الصلاة وسلما عن يمين وشمال أقبل كل واحد منهما على أخيه يدعو له بقبول العبادة في محبة وود ورجاء، فكان عبده في كل مرة يسأل نفسه: ترى هل هما وفريق المسلمين على الحق أم على الباطل، فإذا كانوا على الحق فما حقيقة دينه إذاً؟ وإذا كانوا على الباطل فلماذا لا يصحح لهما عقيدتهما وكيف؟ مرت الأيام سراعاً، وبعضهم يخلص لبعض من غير أن يتعرضوا لمناقشة هذا الأمر، وهل ساور صديقيه نفس الخاطر الذي يساوره فمنعهما الحياء؟! فإذا كان الأمر كذلك فلماذا لا يبدأ هو بالحديث معهما؟ وتشجع عبده فأفضى إليهما بقلقه من وجود اختلاف بينهم -كجماعة متحابة ومتماسكة- في أمر جوهري كهذا، خصوصاً وأن هذا الاختلاف لم يكن باختيار أحد منهم، وإنما وجدوه بينهم بحكم التوارث، فهو لا يفعل ما يفعلان لأنه جاء إلى هذه الدنيا من أبوين يدينان بالنصرانية، ولو أن أبويه كانا من أسرة مسلمة لما وجد هذا الخلاف، ثم إنهما لا يذهبان إلى الكنيسة في يوم الأحد، ولا يفكران في شيء من ذلك؛ لأنهما ولدا في أسرتين مسلمتين، ولو كانا قد ولدا في محيط نصراني لما وجد هذا الخلاف! قال عبده فيما يرويه صديقه برادة -وكان قد عاش طويلاً بعد وفاة صاحبيه-: ليس هذا مما ينبغي أن يكون عليه الشأن بين إخوة جمعهم رباط العلم، وملأ قلوبهم كل هذه المشاعر من الحب والصفاء، وإنه لمن الإخلال بواجب المودة الخالصة من الشوائب أن تستمر الحال هكذا علناً بيننا في هذا الأمر الهام، فلابد من أن يكون صديقي مخدوعين، أو أن أكون أنا جاهلاً بما يؤمنان به.
نهض عبده من مجلسه، وتقدم قريباً من البئر، وتبعه صاحباه ينظران في شأنه، فقال: أرياني كيف تفعلان، وأعيناني كما تتعاونان في رفع الماء من البئر وصبه على أطرافكما، وهل لذلك قواعد وأصول عندكم؟ فأجاباه إلى ما طلب وهما يعجبان مما فعل، وأجرى عبده الماء على يديه ووجهه وذراعيه ورأسه وقدميه في تجربة بدائية لم يكن يستهدف منها إلا الوقوف على شيء غامض في داخله، وربما وجد إجابة للسؤال الذي يحيره منذ حين، وهو: ما حكمة صب الماء على أطراف الجسم مع التكرار؟!
لاحظ عبده بعد عملية الوضوء أن أول الآثار التي أصابته من جراء صب الماء على أطرافه أنه أحس بنوع لذيذ من الانتعاش واليقظة والانتباه ملأه ابتهاجاً وثقة بالنفس، فعاد يسأل: هل سبب ذلك الانتعاش وتلك الثقة هو ما أراه بعيني الآن من نظافة يدي ومنافذ وجهي، وطهارة رجلاي وطيب رائحتهما؟ إنه يرى في الأمر سراً لا يزال خافياً عليه، لكن ما صنعه ليس مجرد عبث صغير كما كان يراه من قبل، وإنه ليرى من وراء هذا الصنيع بعض المعاني الكبيرة التي لا يحجبه عنها إلا جهله بهذا الدين الإسلامي، فطلب منهما أن يحدثاه عن حكمة الوضوء وأركانه وسننه ونواقضه، وعن حكمة القيام والقعود والسجود وتكرارها، ولم يكن صاحباه في هذا السن على قدر واسع من العلم



إعلان الدكتور عبده لإسلامه بين أسرته وأقاربه
يقول أحمد نجيب برادة : لم يكن الإسلام بعيداً عن صاحبنا وزميلنا عبده منذ بدأ دراسة الأديان قدر اجتهاده في آخر عهده بالثانوية العامة وأول عهده بدراسة الطب، ولكن دراسته للتشريح نحواً من عشرين شهراً نقلته من حال إلى حال، فقد تملكه خوف من لقاء الله وهو في تردده وجهالته بحقيقة التوحيد والبعث والثواب والعقاب. وكان عبده يتعامل مع الجثث، ويبقى مع الميت أحياناً، ثم اجتمع إلى صاحبيه وقال بأنه آمن بالذي هما والمسلمون عليه، وبأنه سيبدأ باتخاذ ما هو مستقر من اجراءات التوثيق، وشهر إسلامه.
فزع صاحباه من هذه العجلة، وقالا له: استمع إلينا -أيها الصديق- جيداً: أنت تعلم حبنا ووفاءنا لك، وأننا سنخلص لك النصيحة حتماً، وأنت الآن بينك وبين التخرج ومدة الامتياز عامان ونصف العام، وهذا الأمر إن أنت أقدمت عليه متعجلاً ستكون له آثار خطيرة وشديدة على والديك وإخوتك وأهلك، وأقل ما سيلحقونه بك من ضرر هو ضربك وطردك من الدار ومحاربتك، وأنت بكل ذلك ستعرض مستقبلك للدمار، وهذا الدين القويم الذي رغبت فيه يأمر بالحكمة والتعقل، فالرأي عندنا أن تتمهل، وأن تستخفي بدينك حتى تتخرج وتكون لك وظيفة تكسب من ورائها رزقك.

ثم إنك في حاجة إلى مزيد من الدراسة، والله يعلم منك صدق نيتك فيما تدعيه، فأنت عند الله -إن شاء الله- من المقبولين ما دامت قد صحت نيتك، فلا تتعجل التوثيق وإشهار دينك الجديد حتى تكون العلانية مأمونة لك. فما كان منه إلا أن رضخ لهذه النصيحة، لكنه وجد تعلقه بالدين الجديد يشتد ويقوى لحظة بعد لحظة، ويوماً بعد يوم، ولم يعد يطيق كتمان مثل هذا النور الذي يشعشع في مسامه وينير عقله وقلبه، فصار يتصرف دون الرجوع إلى صاحبيه حتى لا يشيرا عليه بما يكره من صبر وكتمان، فعكف على القرآن يتلو آياته كلما وجد من وقته فسحة وفراغاً، وحرص على أن يكون في جيبه دائماً، وبدأ يؤدي من الصلوات ما تيسر له أداؤه في خفاء خارج البيت أحياناً، وفي حجرته إذا أمن على نفسه أحياناً أخرى، ومضى عامان إلا قليلاً وهو يتعجل الأيام لتمضي ويتحقق حلمه، وبدأت مدة الامتياز وهي أقل من عام، وحل شهر رمضان بروحانياته وبركاته، فاعتزم طبيب الامتياز أمراً، وما عاد بعد الآن يستشير فيما وضح له من الحق أحداً. كانت هناك عادة في منزل والده إبراهيم عبد الملك أفندي الذي هو الخواجه كما كانوا يسمونه، وكان الموعد مقدساً عند الأسرة، وهو موعد الغداء يوم الأحد، وهو اليوم الوحيد الذي يتفرغ فيه الأب للاجتماع بجميع أولاده، فتخلف عبده عن حضور الغداء يوم الأحد؛ لأنه قد بدأ شهر رمضان على غير ما جرت به عادته وعادة الأسرة كلها، وسأل عنه أبوه ظهراً وعصراً ومساءً، ولكن عبده لم يحضر إلى داره إلا في ساعة متأخرة من الليل، فقيل له: إن الأسرة كلها قلقة لهذا التخلف، وإن الظنون ذهبت بهم كل مذهب. وكان رده: إن الأعمال في قسم الاستقبال كانت كثيرة على غير المألوف أو المتوقع لها، وقد اعتذر عن الحضور للعمل زميلان له، فقضى اليوم كله في مواجهة الحالات العاجلة التي كان ينبغي لهما استقبالهما لو حضرا.
وجاء الأحد الذي يليه وتوقف الخواجه إبراهيم عن أن يذوق طعاماً أو شراباً حتى يصل ابنه الطبيب، وطال انتظاره له ساعات وساعات حتى غلبه النوم، فقام إلى فراشه مكتئباً وقد داخله هم لا يعرف من أين أتاه، أو هو يعرف ولكنه يداري نفسه هروباً من مواجهته، حتى فزع بآماله إلى الكذب، وعند منتصف الليل جاء الطبيب إلى الدار وعليه من آثار الاجهاد ما يظنه في نفسه شفيعاً، واتجه إلى حجرته بخطوات متعبة، وتبعته أمه وهي تقول له: أين كنت اليوم بطوله يا بني؟!
إن أباك لم يذق طعاماً ولا شراباً اليوم؛ لأنه يكره أن يكون مكانك خالياً من غداء الأحد، وهذه هي المرة الثانية التي يتكرر فيها ذلك على التوالي، فهلا ترفقت بنفسك وبأبيك وبنا جميعاً فيما تقبله من واجبات بسبب تخلف زملائك عن نوبات عملهم، بل هلا رحمت أباك وترفقت به بعد أن تقدمت به السن؟ وترفق عبده بأمه وهو يجيبها إلى ما سألته، لكنها عادت تلح وتسأل وهو مرهق مجهد، فقال لها: يا أماه!
وحشد لها من صنوف المعاذير ما يظنها اقتنعت به، وهما لا يزالان في حوار إذا بمساعده في المستشفى يطرق الباب ويطلب من الطبيب الحضور إلى المستشفى على عجل لوقوع حادث كبير تضاعفت بسببه الحالات، لذا تعين استدعاء كل الأطباء، ولكن عبده لم يكن قد مضى على حضوره لداره ساعة وبضع الساعة قضاها في حوار مرير مع أمه، ولم ينل قسطه المقرر من الراحة أو حتى بعضه، ولكنه طلب من أمه أن تعينه على استبدال ملابسه ليمضي فوراً مع مساعده الذي لا يزال واقفاً بالباب.

ثم انطلق الطبيب مع مساعده، ولفهما الليل ولف المكان سكون مبهم من ذلك النوع الذي ينبئ بقرب هبوب عاصفة قوية، وفي الليلة الثانية جاء من المستشفى من يستدعي الطبيب عبده ؛ لأن الطبيب المناوب قد اعتذر فجأة، وبعدها تكرر الطلب في جوف الليل من جديد مرة بعد مرة، وتنوعت الأعذار حتى جاء يوم الأحد الثالث وأبوه يتابع ولا يتكلم، فقد غشيه من الهم غاشية لا قبل له بها، وعلى مائدة الغداء جلس ينتظر ولده ساعات، وبه من الهم والكرب والهواجس والشكوك ما يهد كيانه ويزلزل وجدانه، وتحامل الأب على نفسه وهو ينهض بعيداً عن المائدة فاختل -أي: كاد يسقط- لولا أن أعانه بنوه، وأمرهم بأن يجلسوه على مقعد مقابل لمدخل الدار، وبقيت عينه شاخصة لكل قادم، لكن ساعات طويلة مضت وهو على ما هو عليه، حتى قارب الليل أن ينتصف وغرقت الدار في سكون حزين مبهم. وأقبل الطبيب الذي تخلف عن غداء الأحد ثلاث مرات متواليات فألفى أباه لا يزال جالساً لدى مدخل الدار، فتمالك نفسه وحياه، ولكنه لم يرد التحية، وبادره قائلاً: أين كنت طوال اليوم -وهو يوم الأحد-؟
قال الطبيب متلطفاً: بالمستشفى كعادتي يا أبي، وساد بينهما الصمت فترة حتى تمالك الرجل نفسه، وقال في هدوء مصطنع: إن أمرك يا بني لم يعد خافياً علي، خاصة بعدما تكرر غيابك كل يوم أحد، ولقد اجتمعت عندنا دلالات خطيرة عن سلوكك في العامين الأخيرين، وهي دلالات أيقظت في نفسي ظنوناً تكاد تقتلني حسرة على ما آل إليه أمرك، وما صرت عليه من حال، فهلا حدثتني بحقيقة الخبر وصدقتني القول؛ فإنني لأجد الحقيقة -مهما بلغ سوءها- أرحم بي مما أنا فيه.
قال الطبيب الشاب: إني محدثك بالصدق يا أبي، فما هي هذه الدلالات والظنون التي تشير إليها؟ قال الوالد: كتاب المسلمين، وجده الكواء في جيبك من نحو عامين، وقد كتمت الأمر ظناً مني أنك ستعود إلى صوابك ورشدك فتنتهي عما أنت فيه، وها هو الكتاب فانظر إليه جيداً، أليس هذا الكتاب يخصك؟ أجب أيها الضال؟ سكت الطبيب لحظة، ثم قال: بلى يا أبي، الكتاب يخصني فعلاً.

فثارت ثائرة الأب لجرأته، فعاد يقول: وأخوك سليم رآك من ثقب الباب وأنت تقوم وتقعد على غير هيئة الصلاة عندنا، ولقد حدّث أمه بما رأى فكذبته ونهرته، لكنها راقبتك بنفسها، وقد ثبت عندها صدق مقالة أخيك، فهل تفعل هذا حقاً حين تخلو إلى نفسك في حجرتك بداري؟ سكت الطبيب وقد بدا له أن الأمر جد ما بعده جد، وعاد الوالد يقول: لقد أصابني من ذلك ما لا قبل لبشر باحتماله، ولكني كنت أؤثر الصمت، وأنا أحمل ذلك كله في حبك للبحث والمعرفة -أي أن الأب كان يظن أن ما يفعله ولده هو مجرد حب المعرفة والاطلاع- حتى كان الأحد الذي مضى منذ ثلاثة أسابيع، ثم الذي بعده، ثم هذا اليوم الأسود حين اتصل غيابك عنا اليوم كله، وتكرر خروجك في الليل، لقد ظننت أن هذا التصرف الغريب من جانبك له صلة بهذا الشهر الذي يصومه المسلمون الآن، والمسمى بشهر رمضان، فهل أنت تفعل فعلهم فيه أيضاً أم هي المصادفات؟!
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://unun.mam9.com
 
قصة إسلام عبده إبراهيم
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتديات همس المحبه* :: الاقسام الادبية :: القصص والروايات والمذكرات الخاصة-
انتقل الى: